{ "ar": { "title": "معتقلات النظام السابق.. من سجون الرعب إلى ذاكرة لا تُمحى", "content": "

دمشق - العاصمة نيوز

\n

على مدار عقود طويلة، تحولت السجون والمعتقلات السورية في عهد النظام السابق إلى مساحات مغلقة يختلط فيها الخوف بالقمع، حيث كانت الحياة تُدار بقبضة أجهزة أمنية متخصصة في التعذيب وملاحقة المواطنين دون تهم واضحة أو مسارات قضائية، فكانت تلك الزنازين رمزاً لحقبة مظلمة غابت فيها العدالة وتلاشت فيها الكرامة الإنسانية خلف أبواب مصفحة لا يُسمع من ورائها سوى صدى الألم.

\n

في أعماق هذه السجون، لم تتوقف صرخات الألم والانتهاكات التي لا يحتملها عقل بشري، إذ اتبعت عشرات المراكز الأمنية وأفرع التحقيق، مثل فرعي فلسطين والمخابرات الجوية في دمشق، سياسة ممنهجة في التعذيب، إلى جانب أكثر من 100 سجن ومعتقل آخر، كالسجن الصحراوي في تدمر المعروف بالسجن الأحمر في الثمانينيات، وسجن صيدنايا العسكري في ريف دمشق، وسجن البالونة في حمص.

\n

رابطة الناجين من سجن تدمر

\n

بعد انتصار الثورة السورية وسقوط النظام السابق، برزت الحاجة الملحة لتوثيق الفظائع التي حدثت في تلك المعتقلات، كخطوة أولى نحو تحقيق العدالة الانتقالية والإنصاف. لذلك، بدأت منظمات حقوقية بجمع الأدلة والوثائق، مثل رابطة الناجين من سجن تدمر، والشبكة السورية لحقوق الإنسان، ورابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا.

\n

كشف رئيس رابطة الناجين من سجن تدمر، المهندس محمد بهاء الدين، في تصريح خاص لـ\"العاصمة نيوز\" أن الرابطة تأسست عام 2012 في مخيم الريحانية شمال سوريا تحت اسم \"رابطة أحرار سجن تدمر\"، وتحولت بعد سقوط النظام السابق إلى منظمة مجتمع مدني مستقلة، تركز على تحقيق السلام عبر العدالة الانتقالية، والدفاع عن الحقوق القانونية، والعمل الإغاثي الخيري مع التركيز على تمثيل أصوات الضحايا وتقديم الدعم النفسي والمادي لهم.

\n

ورغم أن الرابطة ركزت منذ تأسيسها على تسليط الضوء على معتقلي تدمر، الذين نجا منهم حوالي 7 آلاف من أصل 50 ألف معتقل وفق بهاء الدين، فإنها عملت أيضاً على توثيق الاعتقالات وتقديم الدعم النفسي للناجين المنفيين في المخيمات، في ظل استمرار القمع الذي أدى إلى اعتقال آلاف خلال سنوات الثورة السورية.

\n

وفي المرحلة الحالية، وبعد التحرير، توسع نشاط الرابطة ليشمل برامج إغاثية واسعة النطاق، مثل ترميم المدارس والدعم التعليمي والنفسي للأطفال، ودعم ضحايا معتقلي الثمانينيات، والشروع في تنفيذ مشاريع كبيرة بالتعاون مع منظمات دولية لتحقيق المصالحة الوطنية وفتح تحقيقات في جرائم سجون النظام السابق.

\n

رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا

\n

أما السجن الآخر المعروف بسجنه السيئ السمعة، سجن صيدنايا، الذي وصفته المنظمات الحقوقية العالمية بأنه من أسوأ مراكز الاعتقال في العالم، فقد تشكلت رابطة لمعتقليه ومفقوديه في مدينة غازي عنتاب التركية عام 2017 على يد 30 ناجياً اجتمعوا هناك، وبدأت الرابطة عملها في الشمال السوري، مركزة على قضايا المختفين والمعتقلين، والتوثيق، وإصدار تقارير حقوقية تخص الناجين، بالإضافة إلى تقديم الدعم النفسي وإعادة التأهيل والدعم الاجتماعي.

\n
\n

وأوضح عضو مجلس إدارة الرابطة المهندس قيس مراد أن الرابطة تعمل حالياً بعد التحرير بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والهيئة الوطنية للمفقودين، على تحقيق العدالة الانتقالية للناجين والمفقودين قسراً.

\n
\n

ما تعرض له المعتقلون من قهر وتعذيب في عهد النظام السابق في عهدي الأسد الأب والابن، شكل أساساً مهماً للتوثيق الذي تسعى لجمعه المنظمات المعنية، لأن ما جرى في تلك الزنازين أصبح جزءاً من الأرشيف الجماعي السوري، ومصدره الأساسي شهادة الناجين من سجني صيدنايا وتدمر والأفرع الأمنية.

\n

شهادات ناجين… الصحفي براء عثمان

\n

في حديث خاص لـ\"العاصمة نيوز\"، روى عدد من المعتقلين السابقين في سجون النظام السابق معاناتهم والأيام الصعبة التي مروا بها، من بينهم الصحفي السوري براء عثمان، الذي انضم إلى الثورة السورية منذ بدايتها، واعتقل في 2 أيلول 2011 من مشفى الرجاء في مدينة عربين بالغوطة الشرقية أثناء مشاركته في مظاهرة جمعة \"الموت ولا المذلة\"، حيث كان يوثق بكاميرته جريمة ارتكبها عناصر النظام بحق خمسة شهداء من المواطنين بينهم ابنة خالته التي استشهدت في منزلها برصاصة قناص.

\n

قضى عثمان شهرين في فرع التحقيق بحرستا، حيث وصف كل ثانية فيها بأنها سنة، إذ لم يُعامل كإنسان. استقبله السجان بالضرب والسباب والتعذيب الجسدي والنفسي، ثم حُشر واقفاً مع 120 شخصاً في حمام معتم بمساحة 5 أمتار مربعة، وكانت وجباته الإفطارية قليلة جداً، ثم يُساق للتحقيق معصوب العينين ومربوط اليدين، ويتعرض للضرب الوحشي من لحظة خروجه من الزنزانة حتى وصوله لغرفة التحقيق، حيث يُجبر على الاعتراف بأمور لم يسمع بها من قبل، حتى أُفرج عنه مقابل رشوة مالية، وأخذ على نفسه عهداً بمواصلة عمله الثوري في التوثيق الإعلامي في عربين.

\n

معتقل الثمانينيات… الدكتور براء السراج

\n

أما الدكتور براء السراج، فقد اعتقل في 5 آذار 1984 عن عمر 21 عاماً، وكان طالباً في السنة الثانية بكلية الهندسة الكهربائية، حينما وجد صفاً طويلاً من الطلاب يتم تفتيشهم من قبل رجال الأمن العسكري التابع للنظام، ولم يكن يعلم أنه سيكون هو المعتقل، متّهماً بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين لمجرد صلاته في مسجد.

\n

نُقل براء إلى فرع الأمن العسكري في حماة، وتعرض لتعذيب جسدي منذ اللحظة الأولى، حيث أخبره السجانون صراحة أن \"مسموح لهم بقتل 25% من المعتقلين دون عقاب\". قضى تسع سنوات في سجن تدمر، حيث كان التعذيب يومياً مع مجاعات متعمدة، يموت فيها نحو 100 شخص سنوياً بسبب سوء التغذية، ثم نُقل إلى سجن صيدنايا ليقضي ثلاث سنوات أخرى، محتملاً هذا الجحيم بالإيمان، متحدثاً إلى باب زنزانته قائلاً: \"سأخرج رغم أنفكم\".

\n

في 19 تشرين الثاني 1995، خرج براء ليجد دمشق غريبة، ووصف ذلك اليوم قائلاً: \"رائحة الشاورما قرب قاسيون تثير الذكريات، بيتي كما هو لكن بالكاد تعرفت على أهلي\". لاحقاً حصل على الدكتوراه في علم المناعة وأصبح باحثاً في جامعة هارفارد، متخصصاً في زراعة القلب، كنوع من الانتقام من النظام الذي اعتقله ومنعه من متابعة تعليمه، معتبراً أن العلم أفضل رد على ما عانى منه طوال 12 عاماً.

\n

اعتقال في اليوم الأول للثورة… محمد الفقير

\n

بدأت قصة اعتقال المهندس محمد منير الفقير في اليوم الأول للثورة، حيث اعتقل عقب مشاركته في اعتصام وزارة الداخلية الشهير في آذار 2011، الذي طالب بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين. تعرض الفقير للاعتقال الأول في الأمن السياسي، وتعرض لأنواع متعددة من التعذيب باستخدام أدوات مثل \"الدولاب\" و\"الشبح\" و\"الكرسي الألماني\". بعد خروجه، تعرض لاعتقال آخر في 2012 استمر سنتين، تنقل خلالها بين سجن صيدنايا وفروع الأمن العسكري والمخابرات الجوية.

\n
\n

غرز الفقير أظافره في بلاطة السجن التي كتب عليها خواطره، وتمسك بذكرى شوارع دمشق القديمة، وتخيل المشي فيها للحفاظ على توازنه النفسي وسط آلة قتل مبرمجة مع طبابة قاتلة تعتمد السيتامول كعلاج وحيد لأي مرض، وفق حديثه. ومن أكثر المواقف الوحشية التي أثرت به، أنه عندما سيق عشرات السجناء ظنوا أنهم سيُفرج عنهم، لكنهم تعرضوا لتعذيب وحشي قبل الإعدام. خرج الفقير في 2014 بعد دفع مبلغ مالي مقابل الإفراج عنه، وسافر بعدها إلى تركيا.

\n
\n

تحرير سجن صيدنايا وبداية التوثيق الميداني

\n

بعد تحرير سجن صيدنايا في 8 كانون الأول 2024، دخل فريق